القاهرة في 3 يونيو/حزيران 2011
سوريا: بين الأقوال والأفعال، لا مجال للثقة
تدين المنظمة العربية لحقوق الإنسان بأقسى العبارات
الجرائم ضد الإنسانية التي تواصل السلطات السورية ارتكابها بحق مواطنيها العُزل المشاركين
في الاحتجاجات السلمية التي غطت معظم أنحاء البلاد نهار الجمعة 3 يونيو/حزيران الجاري،
وما تبعها من أحداث الأمس في بعض المناطق، بما أدى إلى استشهاد العشرات من المواطنين.
وتأتي هذه الجرائم البشعة في أعقاب صدور قرار الرئيس
السوري بالإفراج عن المعتقلين وسجناء الرأي، والذي جاء تحت مسمى "العفو عن الجرائم
المرتكبة" حتى 31 مايو/آيار 2011، وكذا التوجيه الرئاسي للتحقيق في ملابسات
"وفاة" الطفل الشهيد "حمزة الخطيب" وحرص الرئيس على استقبال والده،
والحديث عن "حوار وطني" مع "المعارضة".
وتنظر المنظمة بدهشة كبيرة للعلاقة بين قرار
"العفو" وما رصدته جماعات حقوق الإنسان من اعتقالات في كل من الرقة وحلب
في اليوم الأول لتطبيق القرار، كما تعرب عن شكوكها في إجراءات تطبيق هذا "العفو"
التي اقتصرت على الإفراج عن المئات من المعتقلين من بين تسعة آلاف معتقل تحتجزهم السلطات
في سياق الأحداث الجارية والعشرات من المفقودين، وعلاقة هذا "العفو" بأوضاع
المئات من سجناء الرأي المحكوم عليهم بسبب انتمائهم السياسي أو نشاطهم الحقوقي خلال
الفترة السابقة على بدء الاحتجاجات في 15 مارس/أذار الماضي.
كما تنظر المنظمة بشكوك كبيرة في جدية قرار السلطات
بفتح تحقيق في ملابسات مقتل الطفل الشهيد، سواء من ناحية التأخر في اتخاذ هذا القرار،
أو فيما يتعلق بمصداقية القرار في ظل تمسك السلطات بإدعاءاتها بأن قتل المتظاهرين العُزل
الذين بلغوا قرابة الألف شهيد جاء بسبب إستهدافهم أو استهداف بعضهم لقوى الأمن والجيش
خلال احتجاجاتهم.
ورغم أن المنظمة عبرت عن ضرورة العمل على إطلاق
حوار وطني جاد للخروج من الأزمة الراهنة، فإنها لم تجد فيما تواتر من أنباء ما يوفر
الشروط والمقومات الضرورية لضمان جدية ونجاح هذا الحوار، خاصة في ظل تجربة المنظمة
المباشرة، وذلك عبر مبادرتها التي تضمنتها مذكرة وجهتها للرئيس "بشار الأسد"
وتأكد تسلميها رسمياً في 11 مايو/آيار الماضي، وأكدت خلالها المنظمة على ضرورة توفير
شروط هذا الحوار التي ولابد أن تشمل فوراً "اتخاذ تدابير أمنية عاجلة لوقف سيل
الدماء وضمان حماية المتظاهرين سلمياً وحرياتهم"، وكذا "تدابير سياسية للإفراج
عن كافة المعتقلين وسجناء الرأي في البلاد"، فضلاً عن اتخاذ "تدابير قضائية
عاجلة لضمان تحقيق شفاف في وقائع القتل التي رافقت الاحتجاجات، وبما يضمن محاكمة المسئولين
عن ارتكاب هذه الجرائم ".
وأشارت المنظمة إلى أن أي حوار وطني "جاد"
لا يمكن أن يقوم على إقصاء أي من الأطراف المعنية، وأنه يمكن ضمان ذلك عبر حوار أولي
بين السلطات وجماعات حقوق الإنسان في سوريا، بما يسهم في وضع القواعد المناسبة للحوار
الوطني ويضمن جديته ويحول دون إقصاء أي أطراف.
لم تتوقع المنظمة الكثير من مبادرتها، لا سيما وأنها
كانت أول من دعا لعقد جلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة مع التوصية بتشكيل
وإيفاد لجنة دولية للتحقيق في الجرائم المرتكبة منذ 15 مارس/أذار الماضي. ولكن تابعت
المنظمة بعناية بالغة التطورات منذ إعلان السلطات في 13 مايو/آيار عن نيتها لإجراء
حوار يفتقد كافة المقومات والشروط الضرورية، كما تابعت عدم استجابة السلطات لمبادرات
متوازية –معلنة وغير معلنة- من جانب العديد من الشخصيات والمؤسسات السورية والعربية،
مع مضي السلطات قدما في منهجها القمعي على نحو أكثر حدة وتعسفاً.
كذلك، واصلت المنظمة إدانتها الصريحة للجرائم التي
ترتكبها السلطات السورية بحق المحتجين العُزل، واستمرارها في توظيف الجيش ضمن قواها
القمعية على نحو وصفت معه المنظمة هذه الجرائم بأنها ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية
التي يجب المحاسبة عليها فوراً، بالإضافة إلى التعتيم الإعلامي المفروض على البلاد
لإخفاء جسامة الجرائم والمذابح المرتكبة، وجددت المنظمة دعوتها المستمرة للمجتمع الدولي
بتحمل مسئولياته ووقف نزيف الدم والمحاسبة على الجرائم. كما عملت المنظمة على بيان
افتقاد ما أسمته السلطات "حوار وطني" لأي مقومات تضمن جديته على أي نحو.
وقد أدانت المنظمة في 30 مايو/آيار جريمة قتل الطفل
الشهيد "حمزة الخطيب"، وانتهت إلى إعلان مساندتها الكاملة لمطالب الثوار
في سوريا والتأكيد على شرعيتها، كما أكدت أن النظام السوري بات يفتقد للشرعية ولم يعد
مؤهلاً لحكم البلاد، ودعت المواطنين السوريين للتحلي بضبط النفس وناشدتهم التمسك بالطبيعة
السلمية للحراك الشعبي.
ولم يكن مستغرباً أن يترافق حديث السلطات عن
"حوار وطني" مع تأكيد قيادات القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم أن المادة
الثامنة من الدستور لن تكون موضع مراجعة، بما يعني ضمان استمرار حزب البعث في السلطة
إلى الأبد، وأن انسداد الأفق السياسي من خلال تماهي أو توأمة الحزب والدولة والمؤسسات
الأمنية والعسكرية لن يتغير. وبالتالي فإن "الحوار الوطني" الذي تعنيه السلطات
لا يعدو جلسات الدردشة، وأن لا مجال لحديث عن الانتقال إلى الديمقراطية في سوريا.