15 مايو/أيار 2012
منذ أسبوعين فقط خسرت أمينة ساقيها، وفقدت زوجها وطفليها أيضاً.
ولقد أخبرتني أمينة من على سريرها في أحد مستشفيات طرابلس مبديةً رباطة جأش متناهية كيف نُسفت حياتها نسفاً بكل معنى الكلمة.
وبدأت حديثها معي قائلةً: "عندما قامت قوات النظام بمهاجمة قريتنا التي تقع على بعد حوالي ساعة من مدينة حمص، بادرنا بالفرار وبقينا خارج القرية، واضطُررنا لقضاء الليل في إحدى البنايات المهجورة".
وتابعت أمينة سرد ما حدث قائلةً "وبعد مضي يومين، ساد الهدوء فقفلنا عائدين إلى القرية على ظهر دراجة نارية. كنت راكبةً خلف زوجي حاملةً طفلتي الرضيعة البالغة 13 شهراً من العمر، فيما كان زوجي يقود الدراجة وقد وضع في حِجره طفلنا ابن الثلاثة أعوام. وحينها قُصفنا بصواريخ، ولست أعلم نوعها في واقع الأمر".
وفي الوقت الذي تركز الروايات التي حصلت منظمة العفو الدولية عليها من الشهود، خلال مهمة البحث التي قامت بها إلى لبنان، على إلقاء اللوم على القوات الموالية للحكومة بخصوص الهجمات والاعتداءات التي أبادت أسرة أمينة وآخرين غيرهم، فتنبغي الإشارة هنا إلى مدى صعوبة التحقيق في الظروف والملابسات المحيطة بتلك الحوادث المروعة من قتل وإلحاق إصابات وجروح في ظل القيود التي تفرضها السلطات السورية على قيام منظمات غير حكومية من قبيل منظمة العفو الدولية بزيارة سوريا.
وأوضح لنا فيما بعد "الدكتور نبيل"، وهو أحد الأطباء ممن لديهم خبرة دولية في مجال الإصابات الناجمة عن النزاعات المسلحة، بأن معظم السوريين الذين أُدخلوا إلى قسم الطواريء كانوا يعانون من إصابات جراء التعرض للقصف بقذائف الهاون، وهو نوع القذائف الذي يُستخدم حسب وصفه لضرب تجمعات الأشخاص – سواء أكانوا من الطلبة، أو المتسوقين الذين قصدوا السوق والمحال التجارية، وهكذا دواليك – لتنفجر بينهم ملحقةً بهم الإصابات جراء الشظايا المتناثرة منها.
وبغض النظر عن الظروف والملابسات الدقيقة التي تحيط بمثل تلك الهجمات، فتشتهر قذائف الهاون بسمعتها السيئة كقذائف غير دقيقة التوجيه، ولا ينبغي بالتالي استخدامها في المناطق المأهولة بالسكان.
ويضيف "الدكتور نبيل" أن المقذوفات المنطلقة من الدبابات أوالمدفعية أو راجمات الصواريخ أو غيرها، تأتي في المرتبة الثانية بعد قذائف الهاون من حيث تسببها بأكبر عدد من الإصابات التي تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً في المستشفى الذي يعمل فيه.
ويقدّر "الدكتور نبيل" بأن واحداً بالمائة فقط من إجمالي عدد المصابين من محافظة حمص هم مَن يحظون بفرصة الوصول إلى طرابلس والحصول على العلاج اللازم فيها.
ويقول الدكتور نبيل: "ليس بوسع المستشفيات الميدانية أن تستوعب العدد الكبير من الإصابات،" مضيفاً بأنها "ليست حتى مستشفيات ميدانية، بل هي عبارة عن (مستشفيات إسعاف أولي) في أحسن حالاتها، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار طبيعة المعدات والأدوية والخبرات الطبية المتوفرة لديها".
وبالنظر إلى ما ذهب إليه الدكتور نبيل في وصفه لتلك المستشفيات على أنها "مستشقيات إسعاف أولي" وحسب، فنجد أن أحد العاملين في ذلك النوع من المستشفيات في حي بابا عمرو، واسمه عبد العزيز، كان حتى وقت قريب أحد طلاب قسم اللغات في الجامعة. فيما قيل لي أن أحد "الأطباء" الذي تمكن من تعلم ممارسة الطب بجهود ذاتية، كان مجرد بقّال.
وأما عم أحد الفتية الذي يرقد في المستشفى لتلقي العلاج عقب أن فقد ذراعه، فيتابع وصف المأساة التي حلت بعائلته.
ويقول بسام وزير: "قمت قبل ثمانية أسابيع بدفن شقيقي، عبد اللطيف وزير، ابن الثلاثة وعشرين ربيعاً. وكان شقيقي قد توجه يوم 20 فبراير/ شباط الماضي رفقة أحد أصدقائه من أبناء قريتنا البويضة الشرقية، واسمه أحمد، لزيارة خالتي في تل الشور التي تقع على بعد خمسة كيلومترات".
وأضاف قائلاً: "ولقد علمنا من خلال أحد جيراننا بأن شقيقي قد اعتُقل في نفس المكان الذي استوقفتهم فيه إحدى الدوريات، وأنه محتجز لدى فرع الاستخبارات العسكرية في حمص. وبعد ذلك، وبتاريخ 10 مارس/ آذار، توجه والدي المسن (80 عاماً) إلى المستشفى العسكري في حمص للسؤال عن شقيقي، كْون احتمال اعتقال والدي أقل من احتمال اعتقال أحدنا فيما لو بادر بالتوجه إلى هناك ".
ويكمل بسام فيقول: "أخبرته إحدى الممرضات بأن شقيقي قد توفي. ولكي يسمحوا له باصطحاب الجثمان، اضطُر والدي للتوقيع على ورقة تفيد بأن شقيقي قد "قُتل على أيدي إحدى الجماعات المسلحة". ولكنه كان من الواضح أنه قد قضى نحبه جراء تعرضه للتعذيب حتى الموت في واقع الأمر".
ويتابع بسام قائلاً: "لم يكن شقيقي مطلوباً لقوات الأمن، ولم يكن منضماً للجيش الحر. ولقد لاحظنا على جثته آثار كدمات شديدة على ساقه، وكانت جمجمته مهشمة، وتعرض لإصابات ناجمة عن الصعق بالكهرباء على كلتا ذراعيه، وجروح تدل على إصابته بثلاثة رصاصات في منطقتي البطن والصدر. وبالكاد تعرفنا على ما بقي من جثة شقيقي أحمد".
ويمضي بسام في حديثه وقد بدا عليه التجهم قائلاً: "قبل بضعة أيام من تلك الحادثة، أي يوم غادر الجيش السوري الحر حي بابا عمرو (أي الأول من مارس/ آذار 2012)، قام الشبيحة (أي العصابات المسلحة الموالية للحكومة) بذبح ابن خالي عبد الحكيم كرباج وأسرته في منزله في جوبر بحمص أيضاً".
وأضاف: "وقال الجيران لنا بأن أكثر من مائة من عناصر الشبيحة دخلوا المنطقة مرتدين عُصابات خضراء على رؤوسهم. وعثروا حينها على عبد الحكيم (42 عاماً) والذي كان يمتلك محلاً صغيراً لبيع المثلجات، وذبحوه من الوريد إلى الوريد، وكذلك فعلوا بأطفاله الثلاثة، لؤي (11 عاماً)، وسليمان (8 سنوات)، ورقية (5 أعوام)."
وأردف قائلاً: "وأما زوجته ميّادة، فقد قاموا بطعنها في بطنها ونحرها، غير أنها قد نجت بإعجوبة. وأما شقيقه عبد الباري (40 عاماً) فقد ذُبح أيضاً. ولم يكونوا جميعهم من أعضاء الجيش السوري الحر، ولا حتى مع المعارضة. ولم يشاركوا بالمظاهرات كما فعلنا نحن."
وتوضح الرواية التالية على لسان محمد صبوح إلى أي مدى جرى تحطيم العائلات، وكيف تُركت دون أمل بتحقيق شيء من العدل في ظل ازدحام المزاعم والمزاعم المضادة التي يسوقها كلاً من الحكومة والمعارضة.
ويتناول محمد قصاصة ورق من جيب قميصه كُتبت فيها أسماء 29 شخصاً. وبادر بالحديث مشيراً إلى أسماء مختلفة في القائمة قائلاً: "هذا اسم والدي، وهذا جدي، أما هذا عمي، وهذا عمي الآخر، وعمتي، وابن عمي، وابنة أخي، وابن أخي، .. أما هذا فهو طفل رضيع".
وقال: "ذُبح معظمهم من الوريد إلى الوريد في منطقة البساتين بحي بابا عمرو (وهو هجوم حمل طرفي النزاع مسؤوليته للآخر)، وقُتل ثلاثة آخرون في وقت سابق جراء تعرضهم للقصف بصاروخ غراد استهدف حي باب عمرو، وإحداهن كانت تعمل ممرضة، وقضت في هجوم استهدف أحد المستشفيات الميدانية في حي بابا عمرو."
ومرةً أُخرى، فلقد أدركت مدى أهمية تمكين المراقبين الحقوقيين من الدخول إلى سوريا كي يباشروا بإجراء تحقيقاتهم المستقلة.
وأتساءل: ما الذي لدى السلطات السورية كي تخسره إن هي سمحت للمراقبين بدخول البلاد، إذا كانت – حسب زعمها – تعتقد بأن من ارتكب تلك الهجمات والاعتداءات هم أفراد "الجماعات الإرهابية المسلحة"؟
** لم تُنشر الألقاب الخاصة بأولئك الأفراد الذين تحدثنا إليهم كافة، باستثناء ألقاب العائلات الثلاث وهي (وزير، وكرباج، وصبوح)، وذلك خشية تعرض أقاربهم لأعمال انتقامية. وننوه بأن بعض الأسماء الأخرى قد جرى تغييرها عن عمد، وذلك تفادياً للتعرف على هوية أصحابها خشية على سلامتهم.