بقلم مها أبو شامة، الناشطة ضمن حملات منظمة العفو الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا
بعد أن عرّجت بنا طريق رحلتنا التي دامت أسبوعاً لنمر بأحد مخيمات اللاجئين على مقربة من الحدود السورية، تحدثنا إلى عشرات الأشخاص الذين فروا هرباً من العنف الدائر في بلادهم، غير أن اللافت في الأمر هو أننا تمكنّا من الحديث مع عدد من النسوة اللواتي لذن بالفرار أيضاً. وأخيراً ولدى وصولنا في رابع أيام رحلتنا إلى أحد المخيمات المؤقتة في مدينة الرمثا، قيل لي أن بعض الأسر التي وصلت من سوريا قبل يوم واحد فقط، تقطن أحد المباني الخمسة التي آوت اللاجئين هناك .
فما كان منا إلا أن تركنا كاميرات التصوير الخاصة بنا عند الباب ، وسُمح لنا بالحديث إلى اللاجئات مدة ساعتيْن، وعليه فقد اجتمعنا أنا وزميلتي بمجموعتين منفصلتين من اللاجئات رغبةً منا في استغلال هذه الفرصة بأفضل سبيل ممكن. ولدى دخولنا إلى المبنى الذي قيل لنا أن اللاجئات متواجدات فيه، شاهدت بعض الأطفال يلعبون في ممر كبير غير مفروش يقود إلى المطبخ ودورات المياه. ويحتوي الممر على خمسة أبواب تقود إلى الحجرات التي تقيم الأسر فيها. وكوْني لم أكن أعلم من أين أبدأ، فقمت بطرق أحد الأبواب لا على التعيين .
ورأيت داخل الغرفة إحدى النساء وقد انهمكت في إرضاع طفلها. وبعد أن قمت بالتعريف بنفسي، استأذنتها بأن تسمح لي بالدخول والحديث معها. وصمتت المرأة لبرهة – ولست أدري فيما إذا كان ترددها ذاك ناجم عن الفضول أم الخجل – فذهنية العرب تقدم كرم الضيافة دوماً على كل اعتبار، وحتى إن كان المرء لاجئاً لا يملك ما يقدمه .
وبعد دقيقتين، دخلت الغرفة ثلاث نساء أخريات يرافق كل واحدة منهن بضعة أطفال تتراوح أعمارهم بين بضعة شهور وخمس سنوات. واتضح لي فيما بعد بأن اثنتين من النساء الأربع كانتا شقيقتان فيما كانت الأخريان زوجتا أخويهما. وكنّ جميعاً من قرية تسيل القريبة من درعا، على بعد حوالي 10 كلم من الحدود مع الأردن، وقد اضطُررن جميعاً بعد فرارهن إلى الإقامة في حجرة واحدة .
ولقد ترددن في البداية في الإجابة على أسئلتي. وقالت لي إحداهن: “نحن خائفات من أن ندلي ببعض المعلومات لكِ، كوننا لسنا متيقنات من أنكِ لن تخبرين السلطات السورية بأمرنا”. وبعد أن أوضحت لهن ماهية ما تقوم به منظمة العفو الدولية من عمل، وأنه لا ينبغي لهن أن يخشيْن شيئاً، شعرن بشيء من الارتياح نوعاً ما. وأخبرتني المرأة التي سمحت لي بالدخول بدايةً وشقيقتُها بأنهما قد فقدتا أخاهما الأكبر قبل حوالي عشرة أشهر. وأضافت قائلةً: “لقد قتله أحد القناصة الذي كان متمركزاً في أحد أحياء مدينة درعا حيث كان شقيقي يسكن مع زوجته وأطفاله ”.
ومن ثم أخبراني – وبطريقة تخلو من العواطف والانفعالات وكما لو أنهما كانتا تقصّان عليّ قصة عن أحد الغرباء – أنهما قد فقدتا شقيقهما الآخر أيضاً قبل أسبوع فقط. وقالتا: “كان شقيقنا الآخر أحد الناشطين، وكان متوارياً عن الأنظار هرباً من السلطات منذ بضعة أشهر . ومن ثمّ اقتحمت الدبابات قريتنا قبل حوالي أسبوع، وسمعنا حينها أنه فوجيء بالمداهمة واضطُر إلى الإسراع نحو أحد المنازل للاختباء هناك على عجل. غير أنهم تبعوه إلى هناك وأردوه قتيلاً على مرأى من إحدى الفتيات المراهقات التي كانت تقطن ذلك المنزل. وسمعنا أن تلك الفتاة قد فقدت قدرتها على النطق منذ ذلك الحين نتيجة لإصابتها بالصدمة من هول ما رأت ”.
وتابعتا القول بأنه قُتل سبعة أشخاص آخرين إلى جانب شقيقهما خلال أسبوع واحد. فسألتهما إن كانتا تعرفان أسماء القتلى السبعة، فسارعتا إلى ذِكْر بضعة أسماء على عجل. فسألتهما حينها فيما إذا كان جميع القتلى هم من الرجال أم لا. وفقط حينها تذكرتا أن امرأة قُتلت بالرصاص أثناء قيامها بنشر الغسيل على سطح منزلها. وبدا أن المرأة بشكل عام تبقى استدراكاً على هامش القصة الرئيسية، حتى في حالة الوفاة .
ومن ثم أوضحت النسوة لي أنهن كن في دمشق عندما وقعت تلك الأحداث، كونهن قد غادرن تسيل قبل حوالي شهرين. فأزواجهن الأربعة تواروا عن الأنظار هرباً من السلطات، ولم يتسنَّ لهنّ مشاهدتهم منذ شهور خلَت. وقالت الأم الشابة التي تحدثتُ إليها في البداية: “قبل مغادرتي لتسيل بيوم واحد، كنت أنظر من النافذة ورأيت قوات الأمن تطارد رجلاً في المزارع القريبة من القرية. وكانوا يطلقون النار باتجاهه، ولم تروادني شكوك في أنهم قاتلوه لا محالة. وحين أمعنت النظر عن قرب، أدركت حينها أن ذلك الرجل كان في الواقع – زوجي – ولكنه تمكن من الإفلات منهم ولله الحمد .”
وفي تلك اللحظة، غدت النسوة الأربع أكثر ارتياحاً، وبدأن أربعتهن بالحديث في آن معاً. وسردْن على مسامعي قصصاً عن المنازل والمحال المحروقة، وانتشار النهب على نطاق واسع. وأخبرنني عن إرغامهن أطفالهن على الخلود إلى النوم، أو الجلوس هادئين من خلال تهديدهن لهم باستدعاء “قوات الأمن” إن لم يمتثلوا لأوامر أمهاتهم. وأوضحن لي كيف قمن بمغادرة سوريا تحت جنح الظلام، وكيف اضطُررن إلى المشي مسافة أميال سيراً على الأقدام مصطحبات أطفالهن معهن، قبل أن يلجأن إلى الزحف على بطونهن عند دخولهن الحدود الأردنية، وذلك لتفادي اكتشاف قوات أمن الحدود السورية لأمرهن .
وقلن لي: “اضطُررنا إلى مغادرة دمشق باتجاه الأردن كون أزواجنا كانوا يفرون هرباً من وجه السلطات. وجرت العادة أن تلجأ قوات الأمن إلى مطاردة عائلات الناشطين إن لم يفلحوا في القبض عليهم ”.
وقبل أن نغادر المكان، أخبرنني أن الأسرة التي تقيم في الغرفة المجاورة هي من أهالي قرية تسيل أيضاً؛ وأخبرنني قائلات: “لقد فقد الرجل الذي يعمل جزاراً محلّه الذي احترق. إذهبي وقابليه، وسوف يقص عليكِ الكثير”. وهكذا فعلت، فأكملت مشواري إلى غرفة أخرى في آخر الممر أو الرواق .
تنويه: نظراً لرفض السلطات السورية السماح للمراقبين الدوليين في مجال حقوق الإنسان بدخول أراضيها، لم يتسنّ لمنظمة العفو الدولية التحقق بشكل مستقل من صدق الشهادات والروايات التي يُدلي بها الأشخاص الفارّين من سوريا .