لماذا يلتزم العالم الصمت؟ – اللاجئون السوريون
يتحدثون
http://livewire.amnesty.org/2011/06/13/why-is-the-world-silentsyrian-refugees-speak/
بقلم نيل ساموندز، الباحث المختص بسوريا في منظمة
العفو الدولية، من الحدود التركية السورية
لا يكاد يُعرَف شيء عن ظروف الحياة التي يعيشها
الآلاف من السوريين ممن اضطروا مؤخراً للفرار إلى تركيا، واستقر بهم المقام الآن في
مخيمات ببلدتي يايلاداغي وألتن أوزو جنوب شرقي البلاد.
وعلى حد علمنا، لم يُسمح لأي ناشط من نشطاء المجتمع
المدني ولا أي صحفي بدخول المخيمات؛ وإدراكاً مني لذلك، ولأن تركيا باتت شبه معطلة
اليوم بسبب الانتخابات الوطنية، فقد قررت التوجه إلى أحد مستشفيات مدينة هاتاي، عاصمة
محافظة هاتاي، لعلي أتمكن من التسلل إلى الداخل والتحدث إلى السوريين المصابين.
تجمع الروايات على أن تركيا حكومةً وشعباً قد رحبت
بعدد غير محدد من اللاجئين السوريين، وأكرمت وفادتهم، وأحسنت معاملتهم إلى أبعد الحدود؛
وتشير المصادر الرسمية إلى أن هناك نحو 7000 سوري الآن في محافظة هاتاي، ولو أن الكثيرين
يعتقدون أن الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بكثير.
ويقال إن هناك قرابة 10 آلاف شخص على بعد بضعة كيلومترات
من الحدود على الجانب السوري، يتحينون الفرصة للعودة إلى ديارهم أو العبور إلى الأراضي
التركية إذا امتدت موجة العنف إلى الشمال.
لكن الغريب في الأمر هو أن الحكومة التركية تخفي
حسن وفادتها للاجئين بعدم السماح لأحد بدخول المخيمات، وجعل الدخول إلى المستشفيات
لرؤية المصابين السوريين مجازفة غير مضمونة النتائج.
دخلت إلى المستشفى، ومررت بالحارس الأمني وكأني
ممن دأبوا على التردد على المستشفى؛ وفي نهاية المطاف، وجدت من أبحث عنهم في غرفة تحتوي
على ثلاثة أسرة.
ثلاثة رجال سوريين، جميعهم من منطقة جسر الشغور،
أصيبوا بجروح في الاشتباكات الأخيرة مع القوات السورية؛ لمحت على وجوههم علامات القلق
وعدم الارتياح كلما فتح الباب، ولكنهم حكوا لي رواياتهم.
أحدهم مزارع في الأربعين من عمره، من قرية على بعد
كيلومترين من جسر الشغور، أحجم عن ذكر اسمه لأسباب أمنية؛ وقد أصيب بطلق ناري في الساق
أطلقته عليه قوات الأمن وهو يعمل في أرضه في 4 يونيو/حزيران؛ ونقله الجيش إلى مستشفى
بالقرب من مدينة إدلب.
وقال له أحد الأطباء، وقد اغرورقت عيناه بالدموع،
إنه قد مُنع من تقديم العلاج له؛ واقتادته قوات الأمن إلى مكتب للتحقيق العسكري على
مقربة من المستشفى.
عصبوا عينيه، وقيدوا يديه خلف ظهره، وانهالوا عليه
ضرباً بمؤخرات البنادق، وركلاً في جميع أنحاء جسمه. وكانت آثار الضرب بادية للعيان
على وجهه وسائر أنحاء جسمه.
وقال لي: "بينما كانوا يضربونني، سألوني إن
كنت منتمياً للإخوان المسلمين، أو إن كنت أتلقى أجراً من [رئيس الوزراء اللبناني السابق]
سعد الحريري".
وقام أحد المسؤولين بفحص هاتفه المحمول، ودون جميع
الأسماء والأرقام المسجلة في الهاتف، وفي وقت لاحق طالب أحد كبار الضباط بمعرفة أسماء
منظمي المظاهرة.
وبعد أن بصم على بعض الأوراق الرسمية التي لم يفهم
محتواها لأنه لا يقرأ ولا يكتب، أخلي سبيه في 7 يونيو/حزيران، وعبر الحدود إلى تركيا
في نفس اليوم.
وهو مصرٌّ على العودة إلى وطنه بالرغم من تقلب الأوضاع
فيه؛ ويضيف قائلاً "لم يعد هناك خوف".
أما الرجل الثاني في الغرفة، فهو عامل بناء من جبل
الزاوية في الحادية والثلاثين من عمره؛ وقد أصيب في ساقه بعيار ناري أطلقته قواته الأمن
عليه أثناء مشاركته في مظاهرات يوم الجمعة في الثالث من يونيو/حزيران.
وقال إن الآلاف من المتظاهرين خرجوا إلى الشوارع
في ذلك اليوم، وكانت قوات الأمن منتشرة في كل مكان – في الشوارع، وفوق أسطح المباني.
ولما اقترب المتظاهرون من معسكر للشباب، فتحت قوات الجيش النار عليهم فجأة.
فسقط على الأرض، وسحبته قوات الأمن إلى مبنى قريب.
وأضاف قائلاً "سألوني "من ربك؟"،
قلت "الله"؛ فقالوا "لا، قل بشار"؛ وضربوني بعصا على مؤخرة رأسي،
فسقطت على الأرض فاقداً الوعي؛ لعلهم ظنوا أني فارقت الحياة، فتركوني بين الأشجار".
ولما استرد وعيه، كانت قوات الأمن قد رحلت، ونقله
الأهالي إلى مستشفى في إدلب.
ومثل المزارع الذي تحدثت إليه من قبل، قال عامل
البناء إنه أخضع للتحقيق، وسئل عن أسماء المتظاهرين الآخرين.
وبعد إطلاق سراحه، رحل الرجل إلى تركيا حيث عولجت
إصابته، وأصبح يسير الآن مستنداً إلى عكازين.
أما أبو طه، البالغ من العمر 29 عاماً، فهو عامل
إسعاف تابع للهلال الأحمر من جسر الشغور؛ ووصف لي كيف أصيب في ظهره بعيار ناري أطلقته
عليه قوات الأمن أثناء قيامه بإسعاف مصاب وسط البلدة.
ولحسن حظه، نفذت الرصاصة من الجانب الآخر.
وقال إن جنازة باسل المصري شُيِّعت يوم السبت الموافق
4 يونيو/حزيران؛ واكتظ وسط البلدة بالمشيعين، وقرب الظهيرة أطلقت قوات الأمن النار
على جموع المشيعين.
وقال إن الكثير من الأشخاص سقطوا بين قتيل وجريح،
مضيفاً أن بعض الأفراد بدأوا في إطلاق النار على الجيش من أسطح المباني الحكومية.
وأضاف قائلاً "بدا من الواضح أن القناصة ليسوا
من الأهالي – فكل الأهالي في منطقتي يعرف بعضهم بعضاً؛ وكانوا يرتدون ثياباً مدنية،
وعلى صدورهم أحزمة القنابل اليدوية؛ لا بد أنهم أفراد من النظام حاولوا التظاهر بأنهم
جماعات مسلحة".
وأياً كانت هوية الرجال الذين كانوا يطلقون النار
على الجيش، فقد كانت عواقب ذلك وخيمة على أهالي المنطقة؛ وقدم أبو طه وصفاً مروعاً
لمصير بعض القرى الصغيرة في المنطقة.
قال إن رتلاً من الدبابات وصل إلى كم الرمانة، وهي قرية صغيرة في المنطقة
الحدودية لا يوجد بها سوى 50 منزلاً.
وأضاف أبو طه قائلاً "أطلقت الدبابات نيرانها
على المنازل؛ وبعد تدميرها، دخلها نحو 300 من الشبيحة، فقتلوا أو اختطفوا كل من عثروه
عليه بداخلها، وسرقوا كل ما تيسر لهم من الأمتعة والممتلكات، وحرقوا المحاصيل. وفعلوا
ذلك في عدة قرى".
وسألني مراراً "هل يريد العالم أن يرى نهاية
الشعب السوري؟ لماذا يلتزم العالم الصمت؟".
شاهدت عدة سوريين آخرين يدخلون ويخرجون من الغرفة
أثناء وجودي بها؛ كلهم أكدوا أن السوريين متحدون ومسالمون، وأن النظام وحده هو الذي
يسعى لبث الفرقة والانقسامات بين الطوائف.
إلين أوتزن
كاتب صحفي