مجزرة مروّعة نفذها الطيران المروحي التابع للنظام السوري، طالت بلدة سرمين بريف إدلب ببراميل متفجرة رجح احتوائها على غازات خانقة، قرابة الساعة العاشرة وعشرة دقائق من ليل الاثنين 16 مارس/أذار من العام 2015م، سقط جرائها ما يزيد عن ستة ضحايا، وقرابة مائة وعشرين حالة اختناق.
إذا كانت الأمم المتحدة قد أقرت المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان لتضمن له حقوقه الأساسية، وإذا كانت أخطر الجرائم بنظر المجتمع الدولي لا يمكن أن تمر دون عقاب لمقترفيها على النحو الذي نصت عليه ديباجة ميثاق روما الأساسي بمحكمة الجنايات الدولية، وإذا كان الأطفال والنساء هم الضحايا الأبرز لانتهاكات حقوق الإنسان وفق ما استقرت عليه الشرعة والعرف الدوليين، فإن تلك الانتهاكات وهاتيك المجازر تتبدى بصورها الأوضح للعيان والأنظار منظمات حقوق الإنسان في ميدان سوريا، إذ بات خرق الشرائع الدولية والضرب بالقرارات الصادرة عن مجلس الأمن سياسة متكررة لا بل مفضوحة وممنهجة لدى القوات الحكومية التابعة للنظام السوري بأوامر عليا من قيادته، حيث بات الضحية الأبرز فيها نساء سوريا وأطفالها الأبرياء والمدنيين عموماً.
واليوم، وفي عودة على ما بدأ به نظام الأسد وما عرف عنه من ثأره من المدنيين السوريين بشتى أنواع الأسلحة والطرق المتاحة لديه لنزيف المزيد من دمائهم، كرر مأساة الغازات الخانقة في ريف إدلب، شمال سوريا، عبر قصف حواضن مدنية بتلك الغازات.
ففي قرابة الساعة العاشرة من ليل الاثنين الموافق للسادس عشر من مارس/أذار من العام 2015م حلقت طائرتين من نوع "مروحي" تابعة لسلاح جو النظام السوري مدينة سرمين الواقعة في ريف محافظة إدلب.
رصد ناشطو مركز دمشق، طائرتين مروحيتين حلقتا في قرابة الساعة العاشرة ليل الاثنين فوق أماكن سكن مدنيين وسط مدينة سرمين، لتلقي إحداهما قرابة الساعة العاشرة وعشرة دقائق برميلين متفجرين (قدّرت زنتهما بقرابة خمسمائة كيلو غرام) محملين بغازات خانقة على حي سكني وسط مدينة سرمين، يقطنه مدنيون، ولا يحوي أية مقرات لمسلحين، وبعد قرابة نصف ساعة (الحادية عشر ليلاً إلا ربع) ألقت برميلين أخرين (قدّرت زنتهما بقرابة خمسمائة كيلو غرام) للبرميل الواحد سقطا بين مدينة سرمين وبلدة تسمى "قميناس" تبعد تقريباً اثنان ونصف كيلو متر باتجاه الجنوب الغربي عن مدينة سرمين، حيث وصل الغاز الخانق إلى وسطها، مسبباً حالات اختناق ما أسفر على الفور من الاستهداف السابق بسقوط ستة ضحايا موثقين بالاسم جميعهم أسرة كاملة مكونة من أب وأم وثلاثة أطفال ووالدة الأب (أكبرهم عمره عشر سنوات)، وتسجيل قرابة تسعين حالة اختناق في رسمين وحدها، وقيميناس ثلاثين إصابة بالاختناق.
ناشطو مركز دمشق أكدوا أن الاستهداف تم في وقت "الليل" المخصص لراحة الناس ونومهم، عبر هجمة شرسة بالبراميل المتفجرة التي ثبت أنها تحتوي على غازات سامة لم تعرف نوعيتها من قبل الطواقم الطبية الموجودة، وهو توقيت تعمّد نظام الأسد القصف خلاله، لعلمه بتجمع المدنيين داخل منازلهم، ولجوئهم للنوم، في ظل انقطاع التيار الكهربائي على تلك المنطقة.
وفيما لم تحدد الكوادر الطبية في مشفى سرمين الميداني الذي جرى إسعاف الحالات الطبية إليه نوعية الغاز الذي تم من خلاله استهداف المدنيين، رجحت تلك الكوادر أن تكون الغازات إما "الكلور" أو "السارين".
كما وأسفر الاستهداف عن إصابة كل طواقم الإنقاذ التي حاولت انتشال الأهالي من مناطق التلوث الحاصل نتيجة القصف الذي تعرضت له، ليصبح المنقذون بحاجة لإنقاذهم ما تسبب بإرباكات كبيرة في ظل ضعف تأمين المستلزمات الطبية والاسعافية، وخاصة ما يتعلق بالأسلحة الكيميائية.
وتظهر مشاهد الفيديو بثها ناشطون تعرض أطفال من مدينة سرمين لإصابات ولحالات اختناق وفقدان للوعي نتيجة تعرضهم لمواد كيميائية سامة (لم تحدد نوعيتها)، كما تظهر المقاطع إصابة فرق الإنقاذ لدى محاولتهم القيام بواجبهم في إنقاذ الأهالي المصابين.
ومع انتهاء يوم الاثنين 17 مارس/أذار من العام 2015م وثق مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان استشهاد ستة ضحايا في مجزرة سرمين بريف إدلب، ومائة وعشرين حالة اختناق في سرمين وقميناس، والضحايا المتوفين هم:
- وارف محمد طالب
زوجته:
- آلاء ألجاتي
أبناؤه:
- سارة وارف طالب
- عائشة وارف طالب
- محمد وارف طالب
والدته:
- عيوش حسن قاق
ومن المعلوم، ووفق المجازر المتتالية التي وثقها سابقاً مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان والتي فصل بينها في بعض الأحيان أقل من ساعات قليلة، وجميعها أودت بحياة العشرات من المدنيين الأبرياء، غالبيتهم من الأطفال والنساء، أنها وبمجموعها باتت نهجاً سلوكياً للنظام السوري ولسلاح الجو التابع له بنوعيه (الحربي والمروحي) في استهداف المدنيين في أماكن سكنهم وحواضن نزوحهم، ضمن أوامر عليا تصدر من القيادة العسكرية للنظام ما يجعل تلك المجازر "سياسة دولة" أو تعزيزاً لها.
ويعد احتمال استخدام نظام الأسد لـ"الكلور" انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي وخرقاً فاضحاً للقرار 2118، في حين يؤكد القرار 2209 في البندين السادس والسابع أن الأفراد المسؤولين عن استخدام السلاح الكيماوي، بما فيها غاز الكلور، يجب أن يحاسبوا، وفي حال عدم الامتثال لأحكام القرار 2118 يتوجب على مجلس الأمن فرض تدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
كما يبيّن مركز دمشق أن ذات المجزرة المرتكبة اليوم من قبل طيران نظام الأسد المروحي، إنما تشكل انتهاكاً خطيراً للقوانين والأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت للقانون الدولي باعتبارها "هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية"، وفق ما نصت عليه المادة 8 – ب – 1 من نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية بافتراضها "جريمة حرب".
وإن تعمّد النظام السوري عبر طيرانه المروحي توجيه هجماته ضد مواقع مدنية (بلدة سرمين), وهي حاضنة نزوح لأطفال ونساء مهجّرين من أعمال العنف والقصف وهي لا تشكل هدفاً عسكرياً، إنما هو دليل أخر على انطباق وصف "جريمة الحرب" على ذلك العمل الإجرامي بدليل المادة 8 – ب – 2 من ذات نظام روما، بما يؤكد الإفراط الواضح في استعمال القوة من نظام الأسد، "بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة الملموسة المباشرة"، ما يجعل الجريمة أيضاً مشمولة بالمادة 8 – ب – 4 من نظام روما لمحكمة الجنايات الدولية.
ويشكل استهداف بلدة سرمين التي تؤوي مدنيين ونازحين من بلدات تحوي مواجهات مسلحة "جريمة حرب" أيضاً بافتراض شمولها بتطبيق المادة 8 – ب – 5 والتي لا تجيز "مهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو ((المساكن أو المباني العزلاء)) التي لا تكون أهدافاً عسكرية، بأية وسيلة كانت".
وعليه، فإن مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان، واستمراراً منه في سياسته الملتزمة بتوثيق ورصد انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، يضع هذه المجزرة المروعة – كما المجازر التي قبلها – في رسم المجتمع الدولي، ويجدّد مطالبته المؤسسات الدولية المعنية وعلى رأسها الأمم المتحدة وأمينها العام السيد "بان كي مون"، بالإسراع إلى وضع حد للجم نظام الأسد عن انتهاك حقوق المدنيين السوريين، وملاحقتهم بألة الموت أينما حلوا، مستهدفاً به أرواح الأبرياء من المدنيين، ومخلفاً عشرات الضحايا من الأطفال والنساء، وإلى إرسال بعثة تقصي الحقائق بالسرعة الممكنة لمكان الحادثة، وفتح تحقيق حول استخدام النظام لـ"غاز الكلور" في سرمين.
وإن مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان، وانطلاقاً من مهمته الأساسية في الاستمرار في التوثيق والرصد الميداني لانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، ومن كونه عضو في "التحالف الدولي من أجل تطبيق مبدأ مسؤولية الحماية"، يطالب كافة المنظمات المعنية بالعمل على إحالة ملفات هذه المجازر وغيرها المرتبكة من قبل النظام السوري إلى محكمة الجنايات الدولية والمحاكم ذات الاختصاص، وتوجيه الاتهام وفق المقتضى القانوني، ومن ثم ملاحقة كافة مرتكبيها والمتورطين فيها قانونياً، وعلى رأسهم رأس النظام السوري "بشار الأسد" باعتبار "القائد العام للجيش والقوات المسلحة" في سوريا، وإحقاق حقوق الضحايا الأبرياء أصولاً.
مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان
16/3/2015م
ملحق
صورة تظهر مكان وقوع أحد البراميل:
https://drive.google.com/file/d/0B3a2T654WGGadlJvQ3UwUmpfUlU/view?usp=sharing
مقطع فيديو يظهر الاصابات ولقاء مع أحد الأطباء:
https://www.youtube.com/watch?v=yzGcHdR2AVs&feature=youtu.be&list=PLDRr645pYsq_PZ2kWteyJJR0LZUox68-a
مقطع فيديو يظهر الضحايا المتوفين:
https://www.youtube.com/watch?v=JZO94mc71yU&feature=youtu.be
للمزيد من المعلومات يُرجى الاتصال:
الدكتور رضوان زيادة مدير مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان
هاتف (571) 205-3590
اميل radwan.ziadeh@dchrs.org
المحامي أسامة ماضي مدير المكتب الميداني للمركز
هاتف 009620796541415
اميل info@dchrs.org
السيد محمود أبو زيد الباحث الرئيسي في برنامج التوثيق
هاتف 00962797609944
اميل mabozid@hotmail.com
مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان (DCHRS) هو منظمة مستقلة غير حكومية تأسست عام 2005 مقرها العاصمة السورية دمشق. يهدف المركز إلى إثراء روح الدعم والاحترام لقيم ومعايير حقوق الإنسان في سوريا. بناءً على ذلك، يعمل مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان بكل اتفاقيات وإعلان حقوق الإنسان التي أصدرتها الأمم المتحدة.
ويعتبر المركز عضوا في الشبكات الدولية التالية :
- الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان FIDH – باريس.
- الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان EMHRN – كوبنهاغن .
- الحملة الدولية من أجل المحكمة الجنائية الدولية – نيويورك .
- التحالف الدولي للمسؤولية الحماية ICRtoP
- التحالف الدولي لمواقع الذكرى
يعمل المركز على عدة مشاريع توثيقية مثل مشروع التقارير اليومية للضحايا في سوريا، وتقارير المجازر، وغيرها من تقارير انتهاكات حقوق الإنسان. كما يُنسِّق مركز دمشق ويتواصل مع عدة مؤسسات لحقوق الإنسان لتسليط الضوء على الحالة الإنسانية المتدهورة في سوريا. قام المركز مؤخرا بفتح عدة مكاتب في سوريا لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان وجمعها ومراقبتها ميدانياً. بعد انطلاق الثورة السورية زاد نشاط المركز من خلال العمل مع العديد من الأعضاء والنشطاء والتنسيق معهم، وبذلك بدأ المركز في توثيق الانتهاكات المرتكبة يوميا والمصنفة كجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وتتضمن هذه الانتهاكات: القتل خارج نطاق القضاء، والمجازر، والاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والاعتصاب، والتعذيب داخل السجون. يقوم مركز دمشق لحقوق الإنسان بإرسال هذه التقارير للعديد من منظمات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية بالإضافة إلى التواصل بهذه التقارير مع اللجنة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في الجمهورية العربية السورية .