إذا كانت المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان قد أنشأت لتضمن له حقوقه الأساسية، وإذا كانت أخطر الجرائم بنظر المجتمع الدولي لا يمكن أن تمر دون عقاب لمرتكبيها على النحو الذي نصت عليه ديباجة ميثاق روما الأساسي بمحكمة الجنايات الدولية، وإذا كان الأطفال والنساء هم الضحايا الأبرز لانتهاكات حقوق الإنسان وفق ما استقرت عليه الشرعة والعرف الدوليين، فإن تلك الانتهاكات وهاتيك المجازر تتبدى بصورها الأوضح للعيان ولأنظار منظمات حقوق الإنسان في ميدان سوريا، إذا باتت المجازر الدموية سياسة متكررة لا بل وممنهجة لدى القوات الحكومية التابعة للنظام السوري بأوامر عليا من قيادته، حيث بات الضحية الأبرز فيها نساء سوريا وأطفالها الأبرياء.
وإذا كان مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان قد وثق فيما مضى سلسة المجازر المتتالية لنظام الأسد الحاكم في سوريا، فإنه في هذه المرة يوثق انتهاكاً لحقوق الإنسان ثلاثي الخطر، إذا لم يعد النظام يستهدف الأطفال والنساء والمدنيين فقط في أماكن سكنهم، بل بات يركز انتهاكاته عبر سلاح الجو التابع له بشكل متعمّد على حواضن النزوح والمخيمات التي يفترض بمنطق حقوق الإنسان أن تكون محيّدة عن أي أعمال حربية، ليعلن مجزرة دموية في ريف محافظة إدلب شمال سوريا عبر قصف مخيم للنازحين السوريين، غالبيتهم من النساء والأطفال الذين شردتهم الأعمال الحربية الدائرة في مدنهم وبلداتهم في ريفي حماة وإدلب خصوصاً، ليكونوا على موعد مع "الموت" أما أنظار المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة بمؤسساتها التي تتحمل مسؤولية سلامتهم، لا سيما مجلس الأمن الدولي.
ففي صبيحة يوم الأربعاء 29/10/2014م، وفي قرابة الساعة الحادية عشر والنصف، استهدفت مروحية قتالية تابعة لسلاج الجو السوري مخيماً للنازحين في ريف محافظة إدلب الجنوبي، ما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى، جميعهم المدنيين، وغالبيتهم من فئتي الأطفال والنساء.
بدأ مسلسل الرعب الدموي لنظام الأسد عندما بدأت مروحية تابع له بتنفيذ جوالات دورانية فوق المخيم الواقع في أرض زراعية في قرية صغيرة هي "عابدين" الواقعة بين بلدتي الشيخ مصطفى وقرية النقير في ريف إدلب الجنوبي وإلى الشمال من بلدة الهبيط تماماً، حيث أعدّ ذلك المخيم العشوائي منذ قرابة الشهرين لإيواء النازحين الفارين من بطش القصف اليومي للنظام السوري من القرى القريبة.
يقطن المخيم العشوائي قرابة مائتين وخمسين عائلة معظمهم مدنيين نازحين من من ريفِ حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي ممن هربوا من براميل الموت والصواريخ الفراغية التي تستهدف بلداتهم كلّ يوم، حيث يعودون لقراهم بعد توقف القصف، ثم يفرون إلى المخيم المكون من خيم بدائية عند تجدد القصف والأعمال المسلحة، بينما كان يحوي لحظة الاستهداف العدد الأكبر من النازحين حيث قدر عددهم بما يزيد عن مائة وخمسة وعشرين نازحاً، غالبيتهم من الأطفال والنساء ومن محافظة حماة تحديداً.
استهداف المروحية التابعة للنظام السوري، بعد أقل من سبعة دقائق من تحليقها الدوراني، ببرميين منفجرين، وسط المخيم المذكور، لتكون النتيجة على الفور ارتقاء تسعة شهداء وما يزيد عن ثلاثين جريحاً وتدمير واحتراق ستة وعشرين خيمة وتضرر قرابة ثلاثين خيمة أخرى.
الجرحى والمصابون وكذلك الجثث جرى نقلهم فور الاستهداف إلى المشافي الميدانية القريبة من المخيم، حيث توزعوا على كل من مشفى الرحمة في قرية معرة حرمة والمشفى الميداني في قرية الركايا والمشفى الميداني السابع التابع لمديرية صحة حماة التابعة للحكومة السورية المؤقتة، والتي عانت جميعها جداً في التعامل مع الأعداد الكبيرة للمصابين ، نظراً لأنها غير مجهزة بالأدوات اللازمة للتعامل مع مثل هذه الحالات، إضافة إلى ضعف الكفاءة والتخصص من جانب العاملين فيها، حيث وصلت بعض الجثث لتلك المشافي بحالة تشوه، بينما كان عدد أخر منها متفحم ومقطّع الأوصال من أثر القصف .
أغلب الإصابات كانت بين نازحين من بلدات اللطامنة والجبّين والجلمة بريف حماة، كما أغلب الضحايا أيضاً، حيث تم إخلاء عشرات الإصابات الحرجة بسيارات إسعاف وسيارت مدينة إلى الأراضي التركية، فيما وثق عدد من النازحين بعداد المفقودين لغاية تاريخ إعداد هذا التقرير، فيما لم يتم إلى غاية الأن التعرف على عدد من الجثث التي تقطعت أوصالها من أثر الاستهداف.
ولغاية إعداد هذا التقرير االذي تأخر بسبب صعوبة التعرف على جثث الضحايا وثق مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان الضحايا التاليين ممن سقطوا في المجزرة في حصيلة أولية:
- محمد حسن الضاهر، يبلغ من العمر ستين عاماً، من قرية الأربعين
- هجمة حسن الضاهر، تبلغ من العمر خمسين عاماً، من قرية الأربعين
- الطفل محمد حميد القدور، يبلغ من العمر عشرة أعوام، من قرية الأربعين
- شهيدة لم يتم التعرف عليها، من مدينة حماة
- تسعة شهداء لم يتم التعرف عليهم، من قرية الجبين بريف حماة (أشلاء)
- أربعة شهداء لم يتم التعرف عليهم، من مدينة اللطامنة بريف حماة (أشلاء)
- شهيدة لم يتم التعرف عليها، من بلدة كفرهود بريف حماة (الجثة متفحمة)
- شهيد لم يتم التعرف عليه من مدينة حماة (الجثة متفحمة ومتقطعة)
روابط لفيديوهات توضح الاستهداف وأشلاء الضحايا وصعوبة التعرف عليهم:
http://youtu.be/QuiznW0HJIQ
https://www.youtube.com/watch?v=Y2jHLIpdLQQ&feature=youtu.be
http://www.youtube.com/watch?v=9oauCN7znw4&feature=youtu.be
http://www.youtube.com/watch?v=j8VntuhVuT4&feature=share
http://youtu.be/Q_NhSuggBMU
http://youtu.be/TnvB1b4Jh7w
إن مروحية النظام السوري، التي لا تمتلك المعارضة السورية المسلحة أسلحة من قبيلها، والتي ألقت برميلين متفجرين على المخيم كانت تحوم لقرابة السبعة دقائق فوق ذات المنطقة المستهدفة قبل رمي البرميلين اللذين قدّرت زنتهما بقرابة خمسمائة كيلو غرام للبرميل الواحد, إنما هي قرينة واضحة على نية النظام السوري في تعمّد استهداف المدنيين في هذا المخيم، مع علمهم بأن المخيم يؤي نازحين مدنيين، حيث أكد نشطاء مركز دمشق الميدانيين في إدلب عدم وجود أي مسلح داخل المخيم أو في القرب منه، وهو ما يشكل بدليل المادة 7- 1 – أ من نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية "جريمة ضد الإنسانية"، باعتبار قتلاً عمداً ارتكب في إطار هجوم واسع وممنهج من قوات النظام، ضد مجموعة من المدنيين هم نازحين فوق ذلك، وهو علم علم بصفتهم تلك.
ومن المعلوم، ووفق المجازر المتتالية التي وثقها سابقاً مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان والتي فصل بينها في بعض الأحيان أقل من ساعات قليلة، وجميعها أودت بحياة العشرات من المدنيين الأبرياء، غالبيتهم من الأطفال والنساء، أنها وبمجموعها باتت نهجاً سلوكياً للنظام السوري ولسلاح الجو التابع له بنوعيه (الحربي والمروحي) في استهداف المدنيين في أماكن سكنهم وحواضن نزوحهم، ضمن أوامر عليا تصدر من القيادة العسكرية للنظام ما يجعل تلك المجازر "سياسة دولة" أو تعزيزاً لها.
كما يبيّن مركز دمشق أن ذات المجزرة المرتكبة اليوم من قبل نظام الأسد، إنما تشكل انتهاكاً خطيراً للقوانين والأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت للقانون الدولي باعتبارها "هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية" وفق ما نصت عليه المادة 8 – ب – 1 من نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية بافتراضها "جريمة حرب".
كما أن تعمّد النظام السوري عبر طيرانه المروحي توجيه هجماته ضد مواقع مدنية (مخيم النازحين), وهو حاضنة نزوح لأطفال ونساء مهجّرين من أعمال العنف والقصف وهي لا تشكل هدفاً عسكرياً، إنما هو دليل أخر على انطباق وصف "جريمة الحرب" على ذلك العمل الإجرامي بدليل المادة 8 – ب – 2 من ذات نظام روما.
وحيث أن النظام السوري تعمّد قصف المخيم الذي يؤي نازحين مدنيين، فإن مركز دمشق يؤكد أنه لم ينتج عن ذلك الاستهداف المتعمد إلا خسائر تبعية في أرواح الأطفال والنساء المدنيين وإصابات في صفوفهم، فضلاً عن عشدد من حالات البتر في الأطراف التي وثقت بين المصابين وهي أضرار طويلة الأجل، بما يؤكد الإفراط الواضح في استعمال القوة من نظام الأسد، "بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة الملموسة المباشرة"، ما يجعل الجريمة أيضاً مشمولة بالمادة 8 – ب – 4 من نظام روما لمحكمة الجنايات الدولية.
كما يشكل استهداف المنطقة الزراعية التي تؤي النازحين من بلدات حماة وإدلب "جريمة حرب" أيضاً بافتراض شمولها بتطبق المادة 8 – ب – 5 والتي لا تجيز "مهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو ((المساكن أو المباني العزلاء)) التي لا تكون أهدافاً عسكرية، بأية وسيلة كانت". ومن المعلوم أن مجموعة الخيام العشوائية التي تؤي نازحين مهجرين من بيوتهم، غالبيتهم من فئتي الأطفال والنساء تشكل مساحة سكنية بكل الأحوال، لا يجوز تحت أي ظرف كان لنظام الأسد ترصدّهم لدقائق ثم تصويب برميلين من المتفجرات إلى وسط نقاط تجمعهم، ليترك حصيلة كبيرة من أشلاء الأبرياء خلفه، غير آبه بالشرائع الدولية والمعاهدات والاتفاقيات التي تواضعت عليها دول العالم في احترام حقوق المدنيين في أوقات النزاعات، وتحييدهم عن ميدانها.
وبناء على ما تقدّم، فإن مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان، واستمراراً منه في سياسته الملتزمة بتوثيق ورصد انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، يضع هذه المجزرة المروعة – كما المجازر التي قبلها – في رسم المجتمع الدولي، ويجدّد مطالبته المؤسسات الدولية المعنية وعلى رأسها الأمم المتحدة وأمينها العام السيد "بان كي مون"، بالإسراع إلى وضع حد للجم نظام الأسد عن انتهاك حقوق المدنيين السوريين، وملاحقتهم بألة الموت أينما حلوا، حتى وهم مشردين في السهول بعيداً عن بيوتهم التي دمّر غالبيتها القصف الهمجي الذي بات سياسة معتمدة من قبل النظام السوري كل يوم في شتى المدن السورية، مستهدفاً به أرواح الأبرياء من المدنيين، ومخلفاً عشرات الضحايا من الأطفال والنساء، كما كان في مجازره المرتكبة، ومنها فقط في أكتوبر/تشرين الأول الجاري، مجزرة مدينة دوما 3/10/2014م، مجزرة حي الوعر في حمص 8/10/2014م، مجزرة مدينة عربين 9/10/2014م، مجزرة مدينة الحارّة في درعا 10/10/2014م، مجزرة مدينة عربين في ريف دمشق 14/10/2014م، مجزرة مدينة عين ترما في ريف دمشق 14/10/2014م، مجزرة مدينة جسرين في ريف دمشق 16/10/2014م، مجزرة مدينة دوما في ريف دمشق 17/10/2014م، مجزرتين متتاليتين في بلدة نصيب في درعا 21/10/2014م، مجزرة بلدة اليادودة في درعا 21/10/2014م، مجزرة بلدة تل قرّاح في حلب 24/10/2014م، مجزرة مدينة تلبيسة في حمص 25/10/2014م، مجزرة مدينة بصرى الشام في درعا 26/10/2014م، لينتهي الأمر بتاريخ الأربعاء 29/10/2014م بهذه المجزرة البشعة، والسلاح هو ذاته "طيران النظام السوري".. فتارة صواريخ فراغية من الطيران الحربي، وتارة أخرى براميل متفجرة من الطيران المروحي، وفي المحصلة الضحايا هم مدنيون، مع الإشارة الهامة إلى عشرات الضحايا المدنيين الذين يوثقهم مركز دمشق فرادى يومياً، أو بأعداد تقل عن خمسة شهداء، وجميعهم من المدنيين الذين لوحظ أنهم في غالبيتهم من فئتتي الأطفال والنساء.
وإن مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان، وإنطلاقاً من مهتمه الأساسية في الاستمرار في التوثيق والرصد الميداني لانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، ومن كونه عضو في "التحالف الدولي من أجل تطبيق مبدأ مسؤولية الحماية"، يطالب كافة المنظمات المعنية بالعمل على إحالة ملفات هذه المجازر وغيرها المرتبكة من قبل النظام السوري إلى محكمة الجنايات الدولية والمحاكم ذات الاختصاص، وتوجيه الاتهام وفق المقتضى القانوني، ومن ثم ملاحقة كافة مرتبيكها والمتورطين فيها قانونياً، وعلى رأسهم رأس النظام السوري "بشار الأسد" باعتبار "القائد العام للجيش والقوات المسلحة" في سوريا، وإحقاق حقوق الضحايا الأبرياء أصولاً.
مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان
2/11/2014م
مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان
2/11/2014م
صورة للقصف التي طال المخيم
جثث الضحايا المدنيين متناثرة بعد الاستهداف بلحظات
طفل مجهول الهوية مصاب في المشافي التركية، مشفى الدولة – أنطاكيا
للمزيد من المعلومات يُرجى الاتصال:
الدكتور رضوان زيادة مدير مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان
هاتف 15712053590
الاستاذ مجاهد ياسين مسؤول العلاقات العامة في المركز
هاتف 14797998115
اميل info@dchrs.org
السيد محمود أبو زيد الباحث الرئيسي في برنامج التوثيق
هاتف 00962797609944
اميل mabozid@hotmail.com
مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان هو منظمة مستقلة غير حكومية تأسست عام 2005 مقرها في العاصمة السورية دمشق، مهمته هي تعزيز روح الدعم والاحترام لقيم ومعايير حقوق الإنسان في سوريا ويعتبر المركز عضوا في الشبكات الدولية التالية :
– الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان FIDH – باريس.
– الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان EMHRN – كوبنهاغن .
-الحملة الدولية من أجل المحكمة الجنائية الدولية – نيويورك .
– التحالف الدولي للمسؤولية الحماية ICRtoP
– التحالف الدولي لمواقع الذكرى ICSC
إن مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان يعمل بكل اتفاقيات وإعلانات حقوق الإنسان التي أصدرتها الأمم المتحدة ويلتزم بها،ويعمل المركز على عدة مشاريع توثيقية مثل مشروع التقارير اليومية للضحايا في سوريا، وتقارير المجازر، وغيرها من تقارير انتهاكات حقوق الإنسان. ينسق مركز دمشق ويتواصل مع عدة مؤسسات لحقوق الإنسان لتسليط الضوء على الحالة الإنسانية المتدهورة في سوريا. وبعد انطلاق الثورة السورية زاد نشاط المركز من خلال العمل مع العديد من الأعضاء والنشطاء والتنسيق معهم، وبذلك بدأ المركز في توثيق الانتهاكات المرتكبة يوميا والمصنفة ضمن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وتتضمن هذه الانتهاكات: القتل خارج نطاق القضاء، والمجازر، والاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والاعتصاب، والتعذيب داخل السجون. قام المركز مؤخرا بفتح عدة مكاتب في سوريا لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان وجمعها ومراقبتها ميدانياً، يقوم مركز دمشق لحقوق الإنسان بإرسال هذه التقارير للعديد من منظمات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية بالإضافة إلى التواصل بهذه التقارير مع اللجنة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في الجمهورية العربية السورية لمزيد من المعلومات الرجاء زيارة موقع مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان