مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان

هل من داعي لإراقة المزيد من دماءنا كثمنٍ لقيام العالم بمساعدتنا؟

20 فبراير 2012

في سياق تقريره المروّع الذي كتبه من على الحدود الأردنية السورية، يميط الباحث في منظمة العفو الدولية، نيل ساموندز، اللثام عن فداحة حجم التعذيب الذي يذوق ويلاته مَن يُعتقلون داخل سوريا – حيث وصل شكل التعامل إلى مستويات غير مسبوقة من القسوة والوحشية .  

ومن على سريره في مستشفى مدينة الرمثا الأردنية الواقعة على بعد بضعة كيلومترات فقط من الحدود مع محافظة درعا السورية، أخبرني أبو صهيب كيف تمكّن هو ومعظم الرجال قبل يومين من الفرار من بلدة الطيبة يعد أن أصبح الجيش السوري على مشارف البلدة .

وقال أبو صهيب، رجل بليغ في الأربعينيات من العمر ، أنه كان يراقب هو ومجموعة صغيرة من الأشخاص تداعيات الوضع لدى إطلاق صاروخ مضاد للطائرات باتجاههم قبل أن ينفجر متسبباً بإصابته بشظايا بحجم حبة الكريب فروت اخترقت ساقه قبل أن تخرج من فخذه الأيسر قاطعةً معها إبهامه الأيسر .

وقال أبو صهيب: "لقد تناثر لحمي ودمي في وجهي ".

ولدى إصابته، حاله حال غيره من الجرحى الآخرين، جرى نقله سريعاً على ظهر دراجة نارية إلى أحد المنازل الخالية حيث تلقى إسعافات أولية بدائية قبل أن يتمكن من عبور الحدود إلى الأردن .

وبشيء من العناء، فقد تمكنتُ من الوصول إلى أحد مخيمات اللاجئين في الرمثا، حيث عثرت على مجموعات من الشباب متجمعين  في الطابق السفلي في أحد المباني "البدروم" حول مدفأتيْن تعملان على الغاز .

وروى سكان مدينة درعا، وبلدات نعيمة والطيبة ودعل والجيزة وتصيل وكحيل كيف قُصفت منازلهم بالصواريخ، وقذائف الهاون، وبالأسلحة الرشاشة الثقيلة.  وذلك قبل أن تقوم القوات السورية بتفتيش المنازل واحداً تلو الآخر معتديةً بالضرب على الصبيان والرجال الذين بقوا هناك قبل أن تعتقلهم

ومع تشديد النظام قبضته على درعا قُتل العشرات خلال الأسبوع الماضي، ونُهبت منازلهم بحثاً عن أموال، ومجوهرات، وأجهزة الحاسوب، وتعرضت مولدات الكهرباء للتخريب .

ولكن وكما قال أبو صهيب: "لقد رأيت الكثيرين غيري ممن أُطلقت عليهم النار وقُتلوا، ولكنني لست خائفاً من الموت.  با إن ما أخشاه هو التعرض للاعتقال ."

ولعل الشهادات الحية التي رواها لي مباشرةً ضحايا التعذيب ممن التقيت بهم هذا الأسبوع في الرمثا وإربد وعمان تساهم في شرح أسباب خشية أبو صهيب من التعرض للاعتقال .

حيث تشيع ممارسات الضرب المبرّح للمحتجزين لفترات طويلة وبشكل متكرر وعلى مدار عدة أيام أو أسابيع .

وبالكاد يمُر الشهود على ذِكْر اللكمات الركلات والدوْس بالأقدام والضرب بأعقاب البنادق المعدنية، والعصي أو الأسلاك (الكابلات)، نظراً لشيوع استخدامها بشكل كبير، حتى وإن لحق بالضحية جروحاً خطيرة تهدد حياته نتيجة لذلك .

ولقد فر طارق إسماعيل الحريري (27 عاماً) من بلدة الطيبة إلى الأردن قبل عشرة أيام، وذلك عقب محاولة قوات الأمن إلقاء القبض عليه واحتجازه للمرة الثالثة على التوالي .

وخلال احتجازه في المرة الأولى مدة حوالي خمسة أشهر، فقد تُرك رفقة خمسةٍ آخرين في زنزانة ضيقة بطول متر واحد ، وعرض متر وسبعين سنتمتراً فقط .

وتعرض على مدار 18 يوماً متتالية لوضعية الدولاب – حيث جُلدت قدماه أكثر من مائة مرة (الفلقة)، وأُجبر على الرضوخ لوضعية "الشبح" حيث قُيد معصماه سوية، ورُفع إلى أعلى ليجري صعقه بالكهرباء وضربه، وبخاصة على أعضاءه التناسلية باستخدام الهراوات .  

وأما خلال احتجازه في المرة الثانية، فقد تعرض للتعذيب بوضعية الدولاب في أربع مناسبات.  واحتُجز رفقة 24 معتقل آخر في زنزانة لا تتجاوز مساحتها (3x4 متر)، وتعرض هو والآخرين لفترات طويلة من الضرب المبرح "كحفلة ترحيب"، ناهيك عن تعرضه طوال 24 ساعة في اليوم لعوامل الطقس كونه لم يكن يرتدي سوى سرواله الداخلي .

وأخبرني أن أحد الرجال الذين كانوا محتجزين معه في نفس الزنزانة قام معذبوه بإدخال زجاجة مكسورة في شرجه؛ فيما تعرض آخر أثناء تعليقه في وضعية "الشبح" لربط عضوه التناسلي بكيس كبير مملوء بالماء قاموا برميه بشكل عنيف في أرجاء الغرفة.  وتُوفي أحد كبار السن الذي كان حبيس نفس الزنزانة معه نظراً لعدم حصوله على الرعاية الطبية.  وأضاف قائلاً: "تراهم يموتون أمام ناظريْك، وتدرك أنه ليس بيدك من شيء تقدمه لهم في سبيل مساعدتهم ".

ولعل أكثر أشكال المعاملة المروعة التي سمعت بها خلال عملي مدة تسع سنوات كمختص في الشؤون السورية لدى منظمة العفو الدولية، هي المعاملة التي لقيها جهاد أحمد دياب (34 عاماً) من مدينة درعا، والذي يعمل في محل لبيع الملابس .

وعقب اعتقاله في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تعرض جهاد – شأنه في ذلك شأن آخرين كُثر – إلى احتجازه في زنازين مكتظة بشكل رهيب لا تكاد تتجاوز مساحتها 6x6 متر، وجرى صعقه بالكهرباء عدة مرات، وتُرك معلقاً مع تعرضه للضرب المبرح والعنيف وهو معلق في وضعية الشبح .

وعلى شاكلة ما لقيه غيره من المعتقلين، فقد قام عناصر قوات الأمن بالتهجم على معتقداته الدينية والنيْل منها

وقال جهاد: "جلب رئيس الفرع (الذي نُحجم عن ذكر اسمه هنا) صورة بشار الأسد أثناء تواجدي في غرفة التعذيب، وقال لي ‘هذا هو ربك‘ فقلت له: لا إله إلا الله، ومزقت الصورة من يده ."

وأضاف جهاد قائلاً: "ولقيامي بتلك الفعلة، قام بركلي وأنا أتدحرج على طول السلالم لما يعادل طابقيْن."  وقام جهاد بفك الرباط عن يده اليسرى واستمر في روايته وصولاً إلى الجزء الأكثر ترويعاً، فقال: "ومن ثم أمر بتقييدي في وضع الصلب، وربط قطعة من الديناميت بحجم القلم براحة يدي اليسرى.  ومن ثم … انفجرت وطارت معها نصف يدي، وتناثرت الدماء في كل مكان ". 

ونُقل جهاد إلى المستشفى حيث تمكن من الفرار من هناك فيما بعد، قبل أن يجد سبيلاً له للقدوم إلى الأردن.  وعقب هروبه، سلمت قوات الأمن لأسرته وثيقة تفيد بأنه سوف يجري إعدامه تم إلقاء القبض عليه .

إن قوة العزيمة والإصرار التي يتحلى بها أشخاص من أمثال جهاد تضمن استمرار السوريين بالنضال ضد القمع الوحشي الذي يتعرضون له.  غير أن انعدام قدرة المجتمع الدولي على حزْم أمره من شأنه أن يطيل أمد القمع وبوتيرة من التصعيد أكبر من ذي قبل على الأرجح

فكم من دماء الشعب ينبغي أن تسيل لتكون ثمناً مقابل قيام العالم بتقديم المساعدة المنشودة؟

تنويه: نظراً لرفض السلطات السورية السماح للمراقبين الدوليين في مجال حقوق الإنسان بدخول أراضيها، لم يتسنّ لمنظمة العفو الدولية التحقق بشكل مستقل من صدق الشهادات والروايات التي يُدلي بها الأشخاص الفارّين من سوريا .