مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان

بناء دولة القانون في سوريا

بناء دولة القانون في سوريا

د. نائل جرجس

يُعتبر تغييب دولة القانون في سوريا أحد أهم أسباب
تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فضلا عن الانتهاكات المستمرة لحقوق
الإنسان من طرف النظام السوري الذي عمل بكافة الوسائل على تقويض مبدأ سيادة القانون
من أجل تمكينه من السلطة بل وسخّر القانون نفسه كما السلطة القضائية لخدمته واستمراره
.

واليوم بعد أن انتفض الشعب السوري على عقود من القمع
والانتهاكات المستمرة لحريته وكرامته، بدأت الأصوات تتعالى من أجل الإصلاح في سوريا
في خلاف مع المطالبين بالتغيير، إلا أنّه من الواضح بأنّ الإصلاح هو مرادف للتغيير
فالتحقيق الفعلي لأيا منهما يؤدي حتما إلى تفكيك منظومة الاستبداد والبدء بإرساء دعائم
دولة ديمقراطية مدنية أو ما يُعرف باسم دولة القانون، ولتحقيق هذا الأمر لابدّ من المباشرة
بخطوتين رئيسيتين
:

أولا: الإصلاح القانوني الذي يُعتبر الركيزة الأساسية
لأي إصلاح سياسي واقتصادي، وهذا الإصلاح يكون بداية بإلغاء كافة التشريعات القانونية
المقيدة للحريات والمكرسة للتمييز بين أبتاء الوطن الواحد ومن ثم إصدار قوانين عصرية
حديثة منسجمة مع المنظومة الدولية لحقوق الإنسان وبالتالي خالية من أية هيمنة أمنية
أو إيديولوجية. وأعتقد هنا بأنّ البداية يجب أن تكون بإعادة صياغة الدستور السوري ولاسيما
مواده القامعة للحريات والمنتهكة لمبدأ فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية
والمكرسة لأيدلوجية الحزب الواحد
.

 فلهذا التعديل الدستوري أثر هام على استصدار القوانين التي يجب أن تنسجم
مع الدستور بوصفه القانون الأسمى. كما يجب أن يترافق تعديل الدستور مع إعادة هيكلة
المحكمة الدستورية العليا بما يؤدي إلى وقف تدخل السلطة التنفيذية بعملها واختيار قضاتها
وكذلك تسهيل إجراءات تحريكها بما يسمح لها بيسر من مراقبة احترام أحكام الدستور الجديد
وخاصة دستورية مشاريع القوانين والقوانين النافذة
. 

ثانيا: إنّ الإصلاح القانوني المذكور أعلاه يبقى
فارغ المضمون ولا قيمة له ما لم يتم تعزيز الرقابة على احترام النصوص القانونية ووقف
الانتهاكات المستمرة لها من طرف السلطات الحكومية. فعلى سبيل المثال رفع حالة الطوارئ
في الفترة الأخيرة لم يترافق مع التطبيق الفعلي لقرار الرفع هذا بل على العكس زادت
الأجهزة الأمنية من انتهاكاتها المعهودة للقوانين النافذة كالاعتقالات التعسفية بدون
أمر قضائي وممارسة التعذيب في خرق واضح للمادة 
28 من الدستور السوري والمادة 391 من قانون العقوبات السوري. وبذلك فإنّ استصدار
القوانين المختلفة الأخيرة والعمل على مشاريع قوانين يبقى عديم القيمة طالما أنه لم
يترافق بالآليات الضرورية لتنفيذ هذه القوانين وتطبيقها على الجميع دون استثناء. هذا
ولم يتبين حتى الآن أية نية حقيقية للسلطات بالتقيد بتطبيق القوانين وخير مثال ذلك
عدم محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للقوانين في الآونة الأخيرة بل أيضا الاستمرار
بارتكاب هذه الانتهاكات. فما قيمة قانون الانتخابات مثلا إن كانت هذه الأخيرة ستترافق
بما عهدناه من تزوير وتلاعب، وأية فائدة لنصوص قانون الإعلام التي تكفل حرية التعبير
فيما يستمر الاعتقال التعسفي للناشطين والكتّاب، بالإضافة إلى تقييد عمل وسائل الإعلام
.

بالتأكيد إنّ البدء بخطوات عملية لتحقيق ما أشرنا
إليه أعلاه يمكن أن يتم عن طريق الحوار، بوصفه إحدى وسائل النضال السلمية من أجل تحقيق
الديمقراطية وكذلك المساهمة في حقن دماء السوريين، ولكن لابدّ من أجل المباشرة بهذا
الحوار من توفير المناخ الملائم. هذا الأخير يتمثل بإطلاق سراح معتقلي الرأي والضمير
والكف عن حملات الاعتقال وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين والسماح مباشرة
بإجراء رقابة قضائية وحقوقية على أماكن الاعتقال، فضلا عن المطالب الأخرى التي أعربت
عنها القوى الوطنية المعارضة في سوريا
.

 أمّا إذا كانت غاية السلطات الحكومية من هذا الحوار كسب الوقت وبعض التأييد
الدولي والداخلي من أجل محاولة قمع الاحتجاجات السلمية، فنقول لها بأنها مخطئة فسوريا
لن تعود لما قبل 15 آذار ولن تنفع  القبضة الأمنية
بعد اليوم في تركيع سوريا وشعبها. وفي هذا الصدد يتحمّل النظام الحالي المسؤولية الكاملة
عن استمراره بالحل الأمني، الذي أثبت فشله، وبالتالي التأخر عن اتخاذ الخطوات المطلوبة
لبدء حوار وطني حقيقي. إنّ هذه المماطلة غير المقبولة من طرف النظام السوري ستزيده
عزلة وتُسهم في تغييره كما يمكن أن تؤجج الأوضاع إلى مرحلة كارثية على جميع المواطنين
الذين سيتحملون القسط الأكبر من المعاناة ولكن بنفس الوقت ستؤدي حتما إلى اجتثاث النظام
. 

د. نائل جرجس