مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان

السوريون الفارون من بلدة تلكلخ يحكون عن هجمات

السوريون الفارون من بلدة تلكلخ يحكون عن هجمات

إعداد الباحثة في منظمة العفو الدولية: سيلينا ناصر
في وادي خالد شمالي لبنان
.

جميع من فرّوا من بلدة تلكلخ الواقعة غربي سورية
بحثاً عن ملجأ في القرى على الجانب اللبناني من الحدود خائفون. لم يعطِني أيُّ شخص
تحدثتُ إليه اسمَه الحقيقي، وأنا بدوري لم أسأل عن ذلك. وفي نهاية كل مقابلة يقول كل
واحد منهم:" لا تنشري اسمي
."

إنهم خائفون لأنهم يأملون بالعودة لديارهم في تلكلخ،
أو ما بقي من منازلهم، وهم لا يريدون أن تعاقبهم القوات السورية لتحدّثهم عما حدث لهم.
لقد تركَت الكثير من العائلات تلكلخ يوم السبت 14 أيار/مايو بعد أن أفاقوا ليجدوا أمامهم
القوات السورية وقد تمركزت عند مداخل البلدة. بدأ إطلاق النار بعدها بقليل وجُرح ما
لا يقل عن ثلاثة أشخاص وصل أحدهم إلى المستشفى على الجانب اللبناني من الحدود وقد فارق
الحياة
.

وفي حادثتين على الأقل أطلقت القوات السورية أو
جماعات موالية للرئيس بشار الأسد النار على العائلات الهاربة مما تسبّب في جرح أفراد
منهم. تحدثتُ إلى امرأة تبلغ من العمر 35 سنة أصيبت في ساقها أثناء توجّهها هي وأفراد
أسرتها وعائلة أخرى من تلكلخ إلى الحدود اللبنانية، حيث كانوا جميعاً محشورين في سيارة
أخيها. كانت تجلس في المقعد الخلفي مع زوجة أخيها الجالسة على حضنها بينما كانت إحدى
جاراتها تحمل ابنها البالغ من العمر ستة أعوام. كان عددهم الكلّي داخل السيارة ثمانية
أشخاص
.

كانوا قد تركوا بلدتهم على متن السيارة على الطريق
الرئيسي المتجه للعريضة، وهي بلدة سورية استطاعوا 
وقف سيارتهم فيها على الحدود السورية وعبور الجسر فوق النهر الكبير إلى لبنان.
على مسافة بضع دقائق خارج تلكلخ قرب قرية مشتى مَحلي كان الطريق مسدوداً بحجارة كبيرة،
لذا انحرف أخو المرأة الذي كان يقود السيارة فجأةً ليتجنب الحجارة، وسار بسيارته فوق
الحصى قربها. وفي هذه النقطة تعرضوا لإطلاق نار
.

وتذكرت المرأة البالغة من العمر 35 عاماً ما جرى:"في
الحال شعرت كأن سكيناً غرزت في لحمي وأحسستُ بسائل دافئ يسيل من ساقي. أدركتُ أنني
أُصِبتُ برصاصة. كنت أنزف بغزارة حتى أنّ زوجة أخي ظنّت أنها جُرحت بدورها لأنها أحسّت
بدمي يسيل على قدميها
."

وقاد أخوها السيارة بسرعة حتى وصلوا إلى العريضة
حيث حُملت فوق الجسر ونُقلت فوراً إلى مستشفى في شمالي لبنان حيث عولجت
.

ولم تكن آخر أسرة تتعرض للهجوم.

ففي تلك الليلة جُرحت منيرة البالغة من العمر سبع
سنوات وأخوها التوأم محمد بينما كانا يفرّان مع عشرات العائلات التي حشرت نفسها في
شاحنة طولها 16 مترا. وحكت لي أمهما:" كانت الشاحنة تنقل عائلات إلى الحدود وفكّرنا
في الذهاب لكنّنا كنّا خائفين. وعندما عادت الشاحنة بسلام وأرادت نقل المزيد من العائلات
قرّرنا الذهاب
."

وتعرضت الشاحنة المقطورة لإطلاق النار عند وصولها
إلى نفس الموقع على الطريق قرب قرية مشتى محلي. أصيبت منيرة بثلاث طلقات: في وركها
الاعلى وفخذها وفي ساقها. أمّا أخوها فأُصيب برصاصة في ساقه. أخبرتني والدتهما أنها
سمعت امرأة تصرخ قائلة إن طفلها أصيب أيضاً، لكنْ لانشغالها الشديد بطفليْها هي لم
تتمكن من معرفة ماذا جرى للطفل الآخر
.

وأخبرتني عائلات في تلكلخ أن البلدة تعرّضت لقصف
عنيف في الثلاثة أيام التي تلت. وقد قتل محمد ماجد العكاري وهو رجل في الأربعينيات
من العمر قتل بالقصف في 16 أيار/مايو حسب ابن عمه. وأراني فيديو لجثة محمد ماجد العكّاري
ملقاة على أرض المنزل وقطعة ثلج دائرية فوقها، إذْ لم يكن من الأمان نقل الجثة إلى
المشرحة، ذلك أن الجيش كان يسيطر على مستشفى البلدة منذ 14 أيار/مايو. وأخيراً تم دفنه
في الحديقة لأنه كان من الخطر جداً نقله إلى المقبرة
.

وحكى لي شهود عيان أن الجنود سيطروا تماماً على
أحياء تلكلخ وشوارعها يوم الثلاثاء 17 أيار/مايو، بعدما سحقوا على ما يبدو أنها مقاومة
لعناصر مسلحة في البلدة. وقد اعتقلوا عدداً كبيراً من الرجال شـِيباً وشُبّاناً
.

زُرتُ عائلاتٍ سوريةً مهَجّرة كانت تقيم في منازل
أقارب وأصدقاء لبنانيين في شمالي لبنان، لاسيما في القرى في المنطقة الحدودية المسماة
وادي خالد حيث يتمتعون بأواصر عائلية وتجارية قوية
.

كثير من التجارة هناك غير قانونية. فمثل الكثير
من مناطق الحدود في أنحاء العالم، يُعتبر تهريب البضائع المصدر الأساسي للدّخل بالنسبة
للعائلات. الناس في تلكلخ هم مسلمون سُنّة يقولون إن الدولة السورية مارست التّمييز
ضدّهم، ويقولون إنها تخصّص الوظائف الجيدة في القطاع العام لأفراد من الأقلية المسلمة
العلويّة التي تسيطر على المنطقة المحيطة بتلكلخ. ويقولون إن تهريب البضائع من وإلى
لبنان هو وسيلتهم الوحيدة للحصول على الدخل
.

ويقال إن زهاء 180 رجلاً مشتبهاً في قيامهم بالتهريب
هم رهن الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي ، احتُجز معظمهم في السنوات القليلة الأخيرة.
وكان هذا هو السبب الذي دفع الناس في تلكلخ في البداية للخروج إلى الشوارع في أواخر
آذار/مارس. ولم يبدأوا في المطالبة بسقوط النظام إلا بعد 19 نيسان/أبريل، أي بعد ثلاثة
أسابيع تقريباً من أول مظاهرة خرجت هناك
.

أحد الأشخاص المحتجزين انفرادياً هو ابن امرأة في
الستينيات من عمرها هربت من تلكلخ في 16 أيار/مايو. قالت إن ابنها اعتـُقل قبل أكثر
من عام لتهريبه بضائع بين لبنان وسورية وإنها منذ ذلك الحين لا تعرفُ عنه شيئاً. وقالت
إنها لم تكن مكترثة بما يمكن أن يحصل لها لتحدثها مع منظمة دولية، لكنها قالت إنها
قلقة من أن ابنها قد يتحمّل العواقب
.

"توسّلـَتْ إليّ قائلةً:" أرجوكِ لا
تنشري اسمي
."