مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان

محاكمة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أمام القضاء الوطني للدول الأوروبية

محاكمة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان
أمام القضاء الوطني للدول الأوروبية

خاص شبكة مساواة للتربية على حقوق الإنسان والثقافة
المدنية

نظرا للازدياد الملحوظ للأعمال البربرية والجرائم
ضد الإنسانية وحالات التعذيب في العالم العربي، وفي ظل تنامي ثقافة الإفلات من العقاب،
فقد رأينا نشر هذا المقال عسى أن يكون رسالة لمن تخول له نفسه الحضّ على أو ارتكاب
مثل هذه الجرائم وخاصة ممن يعتقدون بأن ثرواتهم الطائلة المنهوبة والمودعة في البنوك
الأوروبية ستتيح لهم العيش بمنأى عن العقاب
.

لقد كانت الدول الأوروبية خلال العقود الأخيرة ملاذا
آمنا لمرتكبي الجرائم الدولية أي الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان وخاصة من المسؤولين
والديكتاتوريين السابقين للعديد من الدول الأفريقية الذين أذاقوا شعوبهم الويلات قبل
أن يلجؤوا إلى أوروبا بثروات طائلة، هذا بالإضافة إلى الزيارات المتكررة لهؤلاء المجرمين
إلى أوروبا من دون أية ملاحقة قضائية. إلا أنه من الواضح بأن الأمور قد بدأت بالتغيير
في الآونة الأخيرة بدءا من محاكمة الديكتاتور أوغستو بينوشيه وانتهاءً بإلغاء الرئيس
الأمريكي جورج بوش زيارته إلى جنيف في شهر فبراير/شباط 2011، بعد أن اعتزم عدد من ضحايا
التعذيب في غوانتامو وبعض المنظمات الحقوقية بتحريك القضاء السويسري لتوقيفه
.

إنّ هذه الملاحقات القضائية لأشخاص ارتكبوا مثل
هذه الجرائم الدولية الخطيرة ( التعذيب، جريمة الحرب، جريمة ضد الإنسانية، جريمة الإبادة
الجماعية) يُطلق عليه من الناحية القانونية الاختصاص الدولي أو الولاية القضائية العالمية.
هذه الأخيرة إذا تخول المحاكم الوطنية في دولة ما بملاحقة مرتكبي الجرائم المذكورة
على الرغم من اقترافها خارج أراضي هذه الدولة وكذلك عدم تبعية المتهمين أو الضحايا
لجنسية هذه الدولة
.

وتبرز أهمية هذا الاختصاص الدولي من أجل مكافحة
الإفلات من العقاب، فغالبا ما تعجز محاكم بعض الدول الاستبدادية التي اقترفت الجريمة
على أرضها من ملاحقة الفاعلين نظرا لعدم استقلالية القضاء أو إلى تعرض الضحايا وعائلاتهم
للانتقام في حال قرروا تقديم شكوى أو حتى إلى فرار المتهمين وعدم إمكانية تحريك المحكمة
الجنائية لأسباب عدة كعدم قبول الدولة المعنية لاختصاصها
.

امّا الأساس القانوني للاختصاص الدولي فينبع من
الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي، وخاصة الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، على
الدول الأطراف بملاحقة هؤلاء المجرمين، فتنصّ اتفاقيات جنيف على التزام الدول الأطراف
بملاحقة المشتبه بارتكابهم لانتهاكات لهذه الاتفاقيات. كما أنّ المادة الخامسة من اتفاقية
مناهضة التعذيب تفرض على الدول الأطراف إقامة ولايتها القضائية على جرائم التعذيب وذلك
بملاحقة مرتكبي هذه الجرائم عند دخولهم أراضيها. وفي هذا الصدد تدخلت العديد من المحاكم
الأوربية لتوقيف المشتبه بهم، ونذكر على سبيل المثال الحكم الصادر بالسجن لمدة 8 سنوات
من محكمة جنايات الراين في فرنسا، على النائب السابق للقنصل التونسي في مدينة ستراسبورغ،
وذلك لتورطه بأعمال تعذيب في تونس ( قرار جنائي رقم 08/36، 15 ديسمبر/كانون الأول
2008
).

هذا وقد بدأت حديثا العديد من الدول الأوربية باستصدار
تشريعات تتعلق بمبدأ الاختصاص الدولي كما هو الحال في كل من فرنسا وبريطانيا وسويسرا.
هذه الدولة الأخيرة شهدت في مناسبات عدّة تحريك القضاء السويسري لملاحقة المشتبه بهم
كما هو الحال في قضية الوزير الجزائري السابق، بوجرة سلطاني، المتهم بالتعذيب والذي
تمكّن من الفرار، في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2009، قبل أن يتم إلقاء القبض عليه
.

وتُعتبر أسبانيا من الدول الرائدة في ملاحقة مرتكبي
الجرائم الدولية فقد نصّت تشريعاتها منذ عقود على إمكانية ملاحقة مرتكبي الجرائم الخطيرة
خارج حدودها ( أنظر المادة 23 من القانون الأساسي 6/ 1985)، وهو ما أكّدته العديد من
الاجتهادات القضائية للمحاكم الأسبانية. وبالتأكيد يعود الفضل لنشاطها الملموس في الآونة
الأخيرة إلى القاضي الأسباني المشهور بالتاز كاراثون الذي لم يتردد عن فتح تحقيقات
متعلقة بمزاعم لارتكاب السلطات المغربية لجرائم خطيرة في الصحراء الغربية وكذلك جرائم
الحرب المرتكبة من طرف إسرائيل في غزة
.

أمّا بريطانيا، فقد شهدت فيها الأعوام الأخيرة مرونة
ملحوظة في استصدار العديد من مذكرات التوقيف القضائية بشأن مشتبه بهم نذكر منها ملاحقة
وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني سنة 2009 حيث كانت في زيارة رسمية إلى بريطانيا
اضطرت إلى إلغائها والفرار على إثر إصدار أمر قضائي بتوقيفها استنادا إلى جرائم الحرب
الإسرائيلية المقترفة خلال العدوان على غزة
.

بالتأكيد إنّ هذه المؤشرات القانونية سيكون لها
أكبر الأثر في الحدّ من ارتكاب الجرائم الخطيرة ومحاكمة المسؤولين عنها، ومع ذلك لا
بدّ من الإشارة إلى العديد من الصعوبات، التي نأمل التغلب عليها بأقرب وقت، ونذكر منها
استخدام مبدأ الحصانة الدبلوماسية لمنع توقيف المشتبه بهم وضرورة وجود الضحايا أو ممثليهم
أمام القضاء المعني، بالإضافة إلى الضغوط السياسية الكبيرة التي تمارسها بعض الدول
من أجل تجنب محاكمة رعاياها
.

* دكتور في القانون الدولي لحقوق الإنسان
– فرنسا